القرطبي

347

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

في الشمس فسأل عنه ، فقالوا : هو أبو إسرائيل ( 1 ) ، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه ) . فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان غير قربة مما لا أصل له في شريعته ، وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن . قوله تعالى : وقتلوا في سبيل الله الذين يقتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ( 190 ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : " وقاتلوا " هذه الآية أول آية نزلت في الامر بالقتال ، ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله : " ادفع بالتي هي أحسن " ( 2 ) [ فصلت : 34 ] وقوله : " فاعف عنهم واصفح " ( 3 ) [ المائدة : 13 ] وقوله : " واهجرهم هجرا جميلا " ( 4 ) [ المزمل : 10 ] وقوله : " لست عليهم بمسيطر " ( 5 ) [ الغاشية : 22 ] وما كان مثله مما نزل بمكة . فلما هاجر إلى المدينة أمر بالقتال فنزل : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " قاله الربيع بن أنس وغيره . وروي عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في القتال : " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا " ( 6 ) [ الحج : 39 ] . والأول أكثر ، وأن آية الاذن إنما نزلت في القتال عامة لمن فاتل ولمن لم يقاتل من المشركين ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة ، فلما نزل الحديبية بقرب مكة - والحديبية اسم بئر ، فسمى ذلك الموضع باسم تلك البئر - فصده المشركون عن البيت ، وأقام بالحديبية شهرا ، فصالحوه على أن يرجع من عامه ذلك كما جاء ، على أن تخلى له مكة في العام المستقبل ثلاثة أيام ، وصالحوه على ألا يكون بينهم قتال عشر سنين ، ورجع إلى المدينة . فلما كان من قابل تجهز لعمرة القضاء ، وخاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال في الحرم وفي الشهر الحرام ، فنزلت هذه الآية ، أي يحل لكم القتال إن قاتلكم الكفار . فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت

--> ( 1 ) أبو إسرائيل هذا : رجل من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، اختلف في اسمه . راجع الاستيعاب والإصابة وأسد الغابة في " باب الكنى " . ( 2 ) راجع ج 12 ص 147 . ( 3 ) راجع ج 6 ص 116 . ( 4 ) راجع ج 19 ص 44 . ( 5 ) راجع ج 20 ص 37 . ( 6 ) راجع ج 12 ص 67 .